ترحيب .. ووداع !

عندما يمتزج الكحل بالدموع .. ليصنع نصف حلقة صغيرة دونما إرادة تسقط إلى الأسفل في حضورك .. تاركة خلفها مساحة لدمعة جديدة .. لتنسكب في خشوع على ذلك الخد الوردي الناعم.. عندما تغيب.. وبينما أنت منشغل في المجئ والذهاب و توزيع نظرات لقاء ووداع  لكل الأشياء من حولك..إذا بها ضاقت بك ذرعا .. إنها الأبواب التي تناديك الآن على غفلة.. لتصافح يدك ! .................. م . ع  

 

الوليمة .. قصة قصيرة

كتبهاوجه قبيح .. يحجب الأشياء ! ، في 25 يوليو 2007 الساعة: 20:30 م

 

 

لم أكن مخبراً للشرطة حين ضبطته ويده الصغيرة ترتعش برغيف من الخبز- سرقه خلسة من " طاولة" أفلت بها صاحبها تواً من الطابور اللانهائي أمام المخبز البلدي.

عندها تساءلت عيناه المريضتان في رعب - هل ستخبر صاحب الخبز ؟

لم أجد لدي إجابة - وليت وجهي منتظراً دوري في صمت المتواطئ، بينما رأيت طيفه يتقافز عن يميني إلى لا مكان

لم أعد أطيق رؤيتي لتلك الأطياف، أراهم في الطريق يهرولون أمام عصي غليظة تتبعهم، ثيابهم رثة مهدلة، غلظت ملامحهم الطفولية أشياء وأشياء .. وأشياء

تصطدم قدمي بأحدهم جالساً على الطوار المقابل لمحل للشواء - تاركاً نفسه لدخان اللحوم يتحلق به - يكسوه من رأسه إلى قدميه، يلتصق بخياشيمه الصغيرة .. التي خلقت له هكذا .. وهي الطريقة الوحيدة التي يتعرف بها على مفهوم اللحم المشوي

لكن الجلسة لم تدم طويلاً - عندما أظلمت في وجهه الدنيا لثوان إثر ركلة من العيار الثقيل تلقاها من عامل من عمال ذلك المحل الواسع المزدحم بالناس في مساء غريب من مساءات مدينتنا

لكن واحداً منهم وهم كثيرون .. لم أستطع أن أتخلص من صورته

كان احتفال بالصلح بين عائلتين كبيرتين في مدينتنا .. وكانت وليمة كبيرة .. كثر فيها المدعوون من كل صوب وحدب

أخذ الجميع في الإعداد لإنجاح الصلح وتلك الوليمة التاريخية التي ستتقاسمها العائلتين .. ساعات طويلة في بيت من بيوت أحد الكبراء قضيتها .. الكل يقف على قدم وساق

هنا ستكون الوليمة، هكذا يشير كبير الكبراء .. اجعلوها ذبيحة كبرى .. ليكن عجل سمين .. فالناس كثيرون .. لا تنسوا أن نواباً عن الناس سيحضرون الوليمة.. وبعض العمد والمشايخ .. وكذا الأعيان

وانصرف

دائماً لا يعرف الكبراء إلا كبراء مثلهم .. وها هم مجتمعون في ردهة الفيلا الواسعة .. غير أن بينهم بعض ممن وجدوا أنفسهم هنا في ساعة الصفر .. صدفة ! أو هكذا يظنون

في المطبخ الذي بني خصيصاً للطهاة على طرف الحديقة المنسي هناك .. الطهاة يسابقون الزمن لإنجاز المهمة .. الأفواج البشرية تتوالى .. تهدر كموج، يدلفون إلى القاعة الفسيحة وجزء آخر من حديقة الفيلا

الكراسي والمقاعد مرصوصة بدقة إلى جانب الأشجار .. والكل يغط في لحظة من التأمل والشرود

توزيع بشري منمق .. الكبراء في القاعة فرعونية الطراز .. والباقون في الحديقة .. وكذلك أنا

بدأت الطواقي لببيضاء في الظهور فيما اتخذ كل واحد جلسته مهيئاً معدته لابتلاع ألف ذبيحة كهذه .. الصواني تظهر .. كانت الأطباق محشورة فيها بلا أية مساحة خالية .. تفوح روائح لكل ما لذ وطاب .. ولعاب يسيل

أمامي كان يجلس رجل ضخم، كان عندما يفتح فمه لتدخل قطعة من اللحم، أرى دائرة مظلمة تتسع بحجم رأسين كراسي .. بل تتعدى ذلك .. إنه قادر على ابتلاع ألف رأس مثل رأسي بفمه الكبير هذا 

انشغلت به قليلاً .. ليدور في داخلي حوار عن أمثاله الذين ملأوا بلدتنا .. أنظر كيف تتفتت قطع اللحم الكبيرة بين أنيابه وضروسه .. إنه يشبه طاحونة غلال كبيرة .. لكنها من أكلة اللحوم 

فجأة ..

وأنا أدور بعيني في المكان متأملاً بشاعة آكلي اللحوم .. رأيت الكل منغمساً في معزوفة مضغ لا تنتهي .. ورأيت فتحة باب الحديقة الموارب تتسع شيئاً فشيئاً .. تظهر من خلفها عين واحدة ونصف وجه صغير يحملق

لم يكن هذا الوجه غريب عليّ

لم يجد في نظراتي الوحيدة التي تلحظه دون الجميع ما يربكه أو يقلق طفولته .. ابتسم .. ثم سرعان ما ظهر نصفه الثاني

بدت عيناه تنظران في نهم هائل لأكوام اللحوم الملقاة على الطاولات .. وحرمان أزلي يلتهم منه كل دقيقة يقضيها صامت هكذا

أمسكت بقطعتين من اللحم .. ورغيف من الخبز .. ورفعت عيني لأشير له بأن يأتي ليقاسمنا الوليمة .. كان يبدو جائعاً لحد كبير

وإذا بطيفه يتقافز فزعاً أمام عصا عامل الفيلا التي تلاحقه وعيون الجالسين ضاحكة عليه .. إلى لا مكان

م . ع 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

22 تعليق على “الوليمة .. قصة قصيرة”

  1. قصة رائعة بفكرة جديدة تحكي قصة كثير من واقعنا العربي

    دمت بخير وادعوك لزيارة مدونتي والسلام

  2. قصتك تحمل أبعادا مختلفة ابعادا معنوية..و تصويرا دقيق حساس جدا …صديقي سبق و أن وصفت كتابتك للقصص بأنها تشبه عدسة المصور المحترف اللذي ينقل احساسا من خلال صورة … أنت تضيف للقصة بأدواتك المميزة جمال و زخرفة مطلوبة وغير مسرف فيها ..

    و أجمل ما يميز قصصك القصيرة تصوير حال الفقراء…كلوحات البؤساء الشهيرة أراهن بأنك ستصبح أشهر قاص في مصر…

  3. العزيز محمد …

    لماذا لا يدعى الى الولائم الا المتخمين … لماذا لا يحتقل الا بهم … أسئلة تحيرني ..؟

    لماذا عندما نرى من يحتاج الى الطعام نشيح بنظرنا عنه و نقدم الطعام للذي لم يذق

    الجوع يوماً …؟

    قصة آلمتني … خدرت أطرافي …

    دائماً ماتفعل قصصك فيي الكثير …

    مبدعي دمت بخير

  4. سيدي

    هذا هو حالنا دائما ، نمنع الجائع من الشبع ونطعم المشبع حتي التخمة

    نقيم مآدب نسرف فيها لنعلو مقاما ، ونوفرها عن من يحتاجها لننحشر في درك النار الاسفل..

    نضحك رافعين اسوارا من الامبالاة بيننا ومآسي اهلنا وجيراننا

    جرم كل ما يمارس ضد الطفولة رمز البراءة ووعد المستقبل

  5. أستاذ حسن الخطيب ..

    أشكر لك مرورك ..

    بالفعل هذا حالنا

    وهي قصة حقيقية حدثت في مصر قبل نحو خمسة أعوام فقط !

  6. فيروزان ..

    قصتي هذه نفسجغرافية

    وسؤال يلح .. لم كل هذا يحدث فقط في تلك البقعة من الأرض العربية؟

    أشكرك جداً على مرورك

    وعن رهانك ..

    لا أخفيك قولاً أنك ستخسرين هذا الرهان .. فلست طامحاً في أية شهرة .. إطلاقاً

  7. إيلينا ..

    الإجابة :

    يدعى إلى الولائم كل المتخمين لأنهم سوف يستطيعون رد الوليمة

    يحتفل بهم لأنهم نبلاء القوم ( هكذا يكونون أمام الناس)

    نقدم الطعام للذي لم يذق الجوع يوماً .. لأنهم رموز .. وعلى الرعية أن تدور في فلك رموزها .. دون اعتراض

    أشكرك يا ايلينا على مجاملتك

  8. آلاء ..

    حالنا فعلاً هكذا .. ولكن الاختلاف معك هنا ليس في منع الجائع من الشبع .. بل في منعه من الولوج إلى مكان فيه طعام من الأساس

    وإطعام المشبع حتى التخمة .. لأن الأموال معه .. التي اشترى بها كل هذه اللحوم وأعد منها لوليمته .

    والجرم ..

    يمارس ليس فقط ضد الطفولة والبراءة في بلادنا .. بل يمارس ضد الإنسانية ذاتها

    أشكرك على قدومك يا آلاء .

  9. أستاذ محمد

    ما أجمل قصتك

    مركزة الإسلوب

    كل لفظة موظفة لترسم صورة ناطقة للموقف

    أرى بعيني هذا الطفل المشرد وهو يتضور جوعا

    وأسمع أصوات آكلي اللحوم

    تحياتي لك على هذه القصة

    لماذا لا تنضم لموقع القصة العربية وتنشر قصصك بها ستكون فرصة للإستفادة والإفادة

    العنوان هوarabicstory.net

    لك كل تحية

  10. وجه

    قصة حديثة عن قصص الجوع المنتشرة هذه الايام .ولكنها جاءت بواقعية

  11. محمد …

    قصة اكثر من رائعة …

    لكن أين أنت …

    لم أجدك كنت تختفي في أحيان كثيرة لتظهر في بعض الاحيان القليلة…

    شعرت علي مدار القصة أنني أقرأ ترجمة لقصة أجنبية رغم …

    الصدق الرائع الذي ينير روحك…

    لكن لم أجدك …

    سامحني ولا تتضايق …

    كان من الممكن أن أقول أكثر من رائعة …

    تطور جميل في اسلوبك المستخدم للإبداع…

    لكن لن أستطيع أن أقول لك أنت هذا الكلام…

    أتمني أن أجدك المرة القادمة …

    لأنك روحك قادرة علي الجود بالمزيد …

    الله معك .

  12. انتصار ..

    أشكرك على تفاعلك معي

    أما عن موقع القصة العربية فأنا من زواره دائماً ويعجبني كثيراً .. لكنني أفضل أن أختفي بين طيات مدونتي الصغيرة .. فأحياناً يحتاج الشخص لأن يجيد مهارة الاختفاء .

    وأنا لا أطلب أي شهرة أو ظهور على السطح

  13. هبه خطاب ..

    ليست قصص الجوع ابنة لهذه الأيام فقط ..

    بل هي ..

    ابنة للزمن الطويل

    فعلى مداره جاع ناس وشبع آخرين

    والكل تائه في تفاصيل جوعه وشبعه .. ولكن باختلاف في إيقاعات الوصول إليه

  14. مريم ..

    هذا ليس تطوراً

    هي قصة قديمة لي كتبتها قبل نحو خمس سنوات في مصر

    إلا أنني اختزلت منها وأضفت عليها

    فظهرت وكأنها نصف مصرية .. طبعاً في لغة الوصف فقط وليس التفاصيل الحياتية

    هذا كله

    أنت لاحظت ذلك بدقة .. ويبدو أنك ستدفعيني للتوهم بأنني صرت مهماً لدرجة أن زواري باتوا يستطيعون رؤيتي بين السطور أو اختفائي !

    أشكرك يا مريم

  15. حين أقرا قصة مثل هذه

    اسأل نفسي

    هل يجوز لنا ان نعلق عليها

    بكلام عادي

    افضل الا اقول كلاما عاديا

    في قصة غير عادية

    أخي محمد

    نقف اليوم وقفة واحدة

    مع أخينا المدون الأستاذ الشاعر

    أحمد سعد دومة

    صاحب مدونة

    شاعر إخوان

    على مكتوب،

    ليس أمامنا غير أن نعلي الصوت

    بضرورة الإفراج الفوري عنه،

  16. العزيز محمدكل الشكر لك على هذه القصة الجميلة

    مع تمنياتى لك بالاستمرار

    اخى الحبيب

    كل الشكر والتحية لك

    وادعوكم لزيارة مدونتى فالموضوع خطير ومحتاج رايك

    ( احذرواااااااا التقسيم الثانى لفلسطين )

    كل الشكر لك وفى الانتظار

  17. قصة تترجم لمئات الأفكار وهذه هى عظمة القصة القصيرة التى تتقنها يا محمد

    شعرت بغصه فى حلقى لهذا المتشرد الجائع الذى يختلس أبسط حقوقه…الطعام الذى يحفظ حياته وغيره متخمون

    وتألمت له ورافق ذلك ألم شديد على أحوالنا فى وطننا

    وجعتنى ياأخى يامحمد

  18. قصه قديمه جديده

    فهي قصه الفقر وللانسانيه التي نتعامل بها مع الجياع وما اكثرهم في اوطاننا

    مع ان ديننا يقول واما السئل فلا تنهر

    سبحان الله ففي اليوم الذي تلقي فيه اطنان من الطعام الشهب عي موائد اولاد الايه نلاقي برضه الاف الفواه الجائعه التي هي اولي طبعا من صناديق القمامه

    هل هي غغزاره الانتاج وعدم عداله لتوزيع

    ام هي الاهمال وتحجر القلوب والعقول

    تحياتي

  19. أستاذ حماد ..

    ولأنك إنسان غير عادي

    فقد رفضت أن تقول كلاماً عادياً

    كل تقديري واحترامي لك

    محمد

  20. أستاذ حسن ..

    أنا الذي أشكرك

    شكراً خاصاً على وجودك هنا .. ومتابعتي

  21. التابعي ..

    وهل لأمثاله من الجائعين على حالهم نكر ؟

    الجوع والعطش والجنس .. احتياجات أساسية في حياة الإنسان

    هكذا قالت كتب علم النفس زمان يوم أن كنا في الثانوية العامة

    إلا أنني اكتشفت الآن .. أن هناك من يفقد مرحلة ما قبل ذلك أصلاً .. إنهم يفقدون الحياة نفسها .. فلا طعم لها ولا لون .. ولا لقمة نظيفة تقدم على مائدة حريرية .. ولا عمل يؤمن احتياجاتهم الأساسية .. ولا تعليم يحفظ لهم فرصة كريمة للعيش .

    هكذا هم .. في عيني

    هل لك أن تغير لي هذه الصورة في حياتي ؟

    أشكرك يا أحمد

  22. سندريلا ..

    إنها الوصمة

    فلأن إنسان الفقر يختلف عن كل البشر

    ولأن إنسان الغنى يصر على أن يغلق عينيه عن كل استغاثات الآخر

    فسيستمر وجود الآلاف من بقايا الولائم والتي تكفي آلاف من الجائعين في صناديق القمامة

    إنها نظرية متقنة للعوز والاستغناء

    فريق يحتاج وفريق يزهد

    وربما كما قلت عن عدالة التوزيع .. والذي لا أسبعده أبداً

    شكراً لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر